العيني

10

عمدة القاري

له في الجهاد فلم يكن لهم مغانم ، ومنهم من أذن له فيه ، لكن كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوه ، وجاءت نار فأحرقته ، وقيل : المراد أنه خص بالتصرف من الغنيمة يصرفها كيف شاء ، والأول أصوب ، وهو أن من مضى لم يحل لهم أصلاً . قوله : ( الشفاعة ) هي سؤال فعل الخير وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة ، وذكر الأزهري في تهذيبه عن المبرد وثعلب أن الشفاعة : الدعاء ، والشفاعة ؛ كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره . وعن أبي الهيثم أنه قال : ( من يشفع شفاعة حسنة ) . أي : من يزدد عملاً إلى عمل ، وفي ( الجامع ) : الشفاعة الطلب من فعل الشفيع ، وشفعت لفلان إذا كان متوسلاً بك فشفعت له ، وأنت شافع له وشفيع . وقال ابن دقيق العيد : الأقرب أن اللام ، فيها للعهد ، والمراد : الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف ، ولا خلاف في وقوعها . وقيل : الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل ، وقيل : الشفاعة لخروج من في قلبه ذرة من إيمان من النار . وقيل : في رفع الدرجات في الجنة . وقيل : قوم استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم إياها . وقيل : إدخال قوم الجنة بغير حساب . وهي أيضاً مختصة به . قوله : ( وبعثت إلى الناس عامة ) أي : لقومه ولغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر ، قال ا تعالى : * ( وما أرسلناك إلاَّ كافة للناس ) * ( سبإ : 82 ) . ذكر استنباط الأحكام : الأول : ما قاله ابن بطال : فيه دليل أن الحجة تلزم بالخبر كما تلزم بالمشاهدة ، وذلك أن المعجزة باقية مساعدة للخبر مبينة له دافعة لما يخشى من آفات الأخبار ، وهي القرآن الباقي ، وخص ا سبحانه وتعالى نبيه ببقاء معجزته لبقاء دعوته ووجوب قبولها عل من بلغته إلى آخر الزمان . الثاني : فيه ما خصه ا به من الشفاعة ، وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلاَّ شفع فيه ، كما ورد ( قل يسمع ، إشفع تشفع ) . ولم يعط ذلك مَن قبله من الأنبياء عليهم السلام . الثالث : في قوله : ( فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل ) ، يعني ؛ يتيمم ويصلي ، دليل على تيمم الحضري إذا عدم الماء وخاف فوت الصلاة ، وعلى أنه لا يشترط التراب ، إذ قد تدركه الصلاة في موضع من الأرض لا تراب عليها ، بل رمل أو جص أو غيرهما . وقال النووي احتج به مالك وأبو حنيفة في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض . وقال أبو عمر : أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز ، وعند مالك يجوز بالتراب والرمل والحشيش والشجر والثلج والمطبوخ كالجص والآجر . وقال الثوري والأوزاعي : يجوز بكل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج والجمد ، ونقل النقاش عن ابن علية وابن كيسان جوازه بالمسك والزعفران ، وعن إسحاق منعه بالسباخ ، ويجوز عندنا بالتراب والرمل والحجر الأملس المغسول والجص والنورة والزرنيخ والكحل والكبريت والتوتيا والطين الأحمر والأسود والأبيض والحائط المطين والمجصص والياقوت والزبرجد والزمرد والبلخش والفيروزج والمرجان والأرض الندية والطين الرطب . وفي ( البدائع ) : ويجوز بالملح الجبلي ، وفي قاضيخان : لا يصح على الأصح ، ولا يجوز بالزجاج ، ويجوز بالآجر في ظاهر الرواية وشرط الكرخي أن يكون مدقوقاً . وفي ( المحيط ) ، لا يجوز بمسبوك الذهب والفضة ، ويجوز بالمختلط بالتراب إذا كان التراب غالباً ، وبالخزف إذا كان من طين خالص . وفي المرغيناني : يجوز بالذهب والفضة والحديد والنحاس وشبهها ما دام على الأرض ، وذكر الشاشي في ( الحلية ) : لا يجوز التيمم بتراب خالطه دقيق أو جص ، وحكى وجه آخر : أنه يجوز إذا كان التراب غالباً . ولا يصح التيمم بتراب يستعمل في التيمم ، وعند أبي حنيفة : يجوز ، وهو وجه لبعض أصحابنا ، ومذهب الشافعي وأحمد : لا يجوز إلاَّ بالتراب الذي له غبار ، واحتجا بحديث حذيفة عند مسلم : ( وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً ) . وأجيب : عن هذا بقول الأصيلي : تفرد أبو مالك بهذه اللفظة ، وقال القرطبي ، ولا يظن أن ذلك مخصص له ، فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم ، ولم يخرج هذا الخبر شيئاً ، وإنما عين واحداً مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم ، وصار بمثابة قوله تعالى : * ( فيهما فاكهة ونخل ورمان ) * ( الرحمن : 86 ) وقوله تعالى : * ( من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ) * ( البقرة : 89 ) فعين بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف ، وكذلك ذكر التربة في حديث حذيفة . ويقال : الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب ممنوع ، لأن تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره ، وقال بعضهم : وأجيب : بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ : التراب ، أخرجه ابن خزيمة وغيره ، وفي حديث علي : ( جعل التراب لي طهوراً ) أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن ، والجواب عنه ما ذكرناه الآن ، على أن تعيين لفظ التراب في الحديث المذكور لكونه أمكن وأغلب